سيد قطب

1903

في ظلال القرآن

في مفهوماتهم ، وانزوى داخل اطار الشعائر التعبدية ! إنما كان يعني الدينونة للّه وحده في منهج الحياة كلها ؛ ونبذ الدينونة والطاعة لأحد من الطواغيت في شؤون الحياة كلها . . والفعلة التي من أجلها استحق قوم هود الهلاك واللعنة في الدنيا والآخرة لم تكن هي مجرد تقديم الشعائر التعبدية لغير اللّه . . فهذه صورة واحدة من صور الشرك الكثيرة التي جاء هود ليخرجهم منها إلى عبادة اللّه وحده - أي الدينونة له وحده - إنما كانت الفعلة النكراء التي استحقوا من أجلها ذلك الجزاء هي : جحودهم بآيات ربهم ، وعصيان رسله . واتباع أمر الجبارين من عبيده : « وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ، وَعَصَوْا رُسُلَهُ ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ » . كما يقول عنهم أصدق القائلين اللّه رب العالمين . . وجحودهم بآيات ربهم إنما يتجلى في عصيان الرسل ، واتباع الجبارين . . فهو أمر واحد لا أمور متعددة . . ومتى عصى قوم أوامر اللّه المتمثلة في شرائعه المبلغة لهم من رسله بألا يدينوا لغير اللّه . ودانوا للطواغيت بدلا من الدينونة للّه ؛ فقد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ؛ وخرجوا بذلك من الإسلام إلى الشرك - وقد تبين لنا من قبل أن الإسلام هو الأصل الذي بدأت به حياة البشر على الأرض ؛ فهو الذي نزل به آدم من الجنة واستخلف في هذه الأرض ؛ وهو الذي نزل به نوح من السفينة واستخلف في هذه الأرض . إنما كان الناس يخرجون من الإسلام إلى الجاهلية ، حتى تأتي إليهم الدعوة لتردهم من الجاهلية إلى الإسلام . . وهكذا إلى يومنا هذا . . والواقع أنه لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات ؛ وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان ! إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد . وردهم إلى الدينونة للّه وحده في كل أمر وفي كل شأن ؛ وفي منهج حياتهم كله للدنيا والآخرة سواء . إن توحيد الألوهية ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد القوامة ، وتوحيد الحاكمية ، وتوحيد مصدر الشريعة ، وتوحيد منهج الحياة ، وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة . . . إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل ، وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود ؛ وأن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلام على مدار الزمان . . لا لأن اللّه سبحانه في حاجة إليه ، فاللّه سبحانه غني عن العالمين . ولكن لأن حياة البشر لا تصلح ولا تستقيم ولا ترتفع ولا تصبح حياة لائقة « بالإنسان » إلا بهذا التوحيد الذي لا حد لتأثيره في الحياة البشرية في كل جانب من جوانبها . ( وهذا ما نرجو أن نزيده بيانا - إن شاء اللّه - في نهاية قصص الرسل في ختام السورة ) . . * ونقف أمام الحقيقة التي كشف عنها هود لقومه وهو يقول لهم : « وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ، وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ » . . وهي ذات الحقيقة التي ذكرت في مقدمة السورة بصدد دعوة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لقومه بمضمون الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . وذلك في قوله تعالى : « وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ » . . إنها حقيقة العلاقة بين القيم الإيمانية والقيم الواقعية في الحياة البشرية ، وحقيقة اتصال طبيعة الكون ونواميسه الكلية بالحق الذي يحتويه هذا الدين . . وهي حقيقة في حاجة إلى جلاء وتثبيت ؛ وبخاصة في نفوس الذين